حبيب الله الهاشمي الخوئي
36
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
البحر فتقعره وتحفره ، وقوّة الملك أشدّ من قوّة الرّيح . وكيف كان فلما بيّن أنّ ملك الموت لا يمكن للانسان وصف حاله وعرفان صفته أردفه بالتنبيه على عظمة الله سبحانه بالنسبة إليه فقال ( كيف يصف الهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله ) يعني أنه إذا عجز الانسان عن وصف مخلوق هو مثله فبالأولى أن يعجز عن وصف خالقه وإدراك ذات مبدعة الذي هو أبعد الأشياء عنه مناسبة . تنبيه في بيان معنى الموت وايراد بعض الأخبار الواردة في وصف حال ملك الموت فأقول : قال الشّارح البحراني أخذا من أبي حامد الغزالي في كتاب احياء العلوم : إنّ الموت ليس إلَّا عبارة عن تغيّر حال ، وهو مفارقة الرّوح لهذا البدن الجاري مجرى الآلة لذي الصّنعة ، وإنّ الرّوح باقية بعده كما شهدت به البراهين العقلية بين مظانها ، والآثار النبويّة المتواترة ، ومعنى مفارقتها له هو انقطاع تصرّفها فيه لخروجه عن حدّ الانتفاع به . فما كان من الأمور المدركة لها تحتاج في إدراكه إلى الله فهي منقطعة عنه بعد مفارقة البدن إلى أن تعاد إليه في القبر أو يوم القيامة وما كان مدركا لها لنفسها من غير الله فهو باق معها يتنعّم به ويفرح أو يحزن من غير حاجة إلى هذه الآلة في بقاء تلك العلوم والادراكات الكلية لها هناك . قال الغزالي تعطل الجسد بالموت يضاهى تعطل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه وبشدّة تقع في الأعصاب تمنع نفوذ الرّوح فيها ، فتكون الرّوح العالمة العاقلة المدركة باقية مستعملة لبعض الأعضاء وقد استعصى عليها بعضها ، والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلَّها وكلّ الأعضاء آلات ، والرّوح هي المستعملة لها ، فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلَّها ، وحقيقة الانسان نفسه وروحه وهى باقية ، نعم تغيّر حاله من جهتين إحداهما أنه سلب منه عينه واذنه ولسانه ويده ورجله وجميع أعضائه ، وسلب منه أهله وولده وأقاربه وساير معارفه ، وسلب منه خيله ودوابه وغلمانه ودوره وعقاره وساير أملاكه ، ولا فرق بين أن يسلب هذه الأشياء من الانسان أو يسلب